مهد الحضارة

تعتبر كردستان مهد الحضارة لآلاف السنين، نظرًا لكونها تتمتع بموقع استراتيجي في قلب الشرق الأوسط، وقد أصبحت مركزًا لثورة العصر النيوليتي منذ حوالي 15.000 عام. إنّ الأشياء التي تعتبر من المسلمات اليوم، مثل القرى والزراعة والعديد من الإنجازات التكنولوجية، انطلقت لأول مرة من المنطقة الشاسعة لسفوح سلاسل جبال طوروس وزاغروس، ومن هناك انتشرت المعرفة الثقافية التي مكَّنت البشر من العيش في مجتمعات كبيرة إلى جميع أنحاء العالم. في الوقت نفسه، تطورت الدول الأولى في بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا) السفلى بناءً على علاقتها وتناقضها مع المجتمعات القروية ذات الإدارة الذاتية في جبال طوروس وزاغروس.

منذ أن بدأ الصراع بين المجتمع الطبيعي الذي يحكم نفسه بنفسه وهياكل الدولة الهرمية، أصبحت كردستان ساحة معركة للإمبراطوريات القديمة أو القوى العالمية الحديثة. وبسبب موقعها الجغرافي الاستراتيجي بين غرب أوراسيا والشرق الأقصى، فإن مواردها الطبيعية الهائلة وأهميتها الثقافية للبشرية، كانت كردستان أرضًا متنازعًا عليها منذ آلاف السنين.

أطلق السومريون على سكان المناطق الجبلية في الشمال اسم “كورتي” أو ما يعني “سكان الجبال”. ونستطيع القول إن الهوريين والحثيين والميتانيين وغيرهم يمثلون الشعب الكردي البدئي والتاريخ الممتد لآلالف الأعوام لهذا الشعب، حيث طوروا العلاقات مع الشعوب المجاورة وبالتالي انخرطوا في التبادل الثقافي والتجاري. وتظهر روايات المؤرخين القدماء مثل هيرودوت انطباعًا عن التأثير الدائم للكرد على الشعوب التي كانوا على صلات معهم كالإمبراطورية الرومانية. لقد ذُكر مصطلح “كردستان” لأول مرة في القرن الحادي عشر، ومنذ ذلك الحين أصبح يشير إلى منطقة جبلية شاسعة يسكنها الكرد والأرمن والعرب والتركمان والأذريون والسريان.

تقسيم وطن

تم تقسيم كردستان لأول مرة في عام 1639 في معاهدة قصر شيرين التي وقعتها الإمبراطوريتان الصفوية والعثمانية. وذلك بعد خوضهما العديد من المعارك الدامية ضد بعضهما البعض، وقد قسمت كردستان الى قسمين. وقع الجزء الغربي تحت حكم العثمانيين بينما استحوذ الصفويين على الجزء الشرقي منها. ومع ذلك، كان لا يزال لدى العديد من القبائل الكردية الكثير من الفرص لتشكيل اتحادات فيما بينها أو تطوير علاقات مع مراكز القوة المجاورة لها. ومع ذلك، منذ أوائل القرن التاسع عشر، أدى التدخل المتزايد للقوى العالمية الرأسمالية مثل فرنسا وبريطانيا، إلى مزيد من تقسيم كردستان بعد الحرب العالمية الأولى. ومع توقيع معاهدة لوزان في عام 1923، انقسمت كردستان إلى أربعة أجزاء. والآن، استحوذت الدول القومية التي تشكلت حديثًا، مثل تركيا وسوريا والعراق وإيران على أجزاء من كردستان لأنفسهم واستمر هذا الوضع حتى اليوم. وذلك يشكل تحدي للهوية القومية لملايين الكرد الذين يعتبرون أنفسهم شعبًا واحدًا على الرغم من تنوعهم.

تنوع كردستان

وطن الكرد – كردستان – هو جغرافيا شاسعة تضم مجموعة كبيرة ومتنوعة من اللغات والثقافات الإقليمية والبيئات الطبيعية والمعتقدات الدينية والبنى الاجتماعية. إنّ الكرد شعب موحد ومتنوع في آن واحد. في حين أن لكل منطقة جمالها الخاص الذي يفتخر به سكانها، إلا أن الكرد في نفس الوقت يعتبرون أنفسهم شعبًا واحدًا نما تنوعهم ووحدتهم بشكل مطرد وطبيعي خلال آلاف السنين.

تفسر الطبيعة العميقة الجذور للثقافة الكردية وإصرار الكرد على حقهم في وطن موحد يتمتع بالادارة الذاتية.

شمال كردستان (جنوب شرق تركيا) هو جغرافيًا وديموغرافيًا الجزء الأكبر من كردستان. موطن لحوالي 25 مليون كردي تتميز جغرافيتها بسلاسل جبلية شاسعة وبيئة غنية بالمياه بما في ذلك الأنهار الرئيسية كدجلة والفرات والأراضي الزراعية الغنية، وكانت تاريخيًا موطنًا للعديد من المجتمعات الدينية المختلفة مثل العلويين والإيزيديين والمسيحيين الآشوريين واليهود والمسلمين. إن المدن المهمة في الجزء الشمالي من كردستان هي آمد (ديار بكر)، جزيرة، نصيبين، وان ورها (أورفا). لا تزال حياة القرية النابضة بالحياة مع آلاف التجمعات القروية الصغيرة المنتشرة عبر الجبال والوديان موجودة. كما توجد مجتمعات الرحل التي لا تزال تحافظ على العديد من أقدم التقاليد الكردية. كما هو الحال في أجزاء أخرى من كردستان، ويكسب العديد من السكان عيشهم من الزراعة والماشية. لقد شهدت منطقة شمال كردستان تاريخياً مئات الانتفاضات ضد الإمبراطوريات مثل العثمانيين أو السياسة الاستعمارية للدولة القومية التركية. واليوم أيضًا، يجد النضال السياسي والثقافي والعسكري من أجل كردستان حرة دعمًا قويًا في مدن وقرى شمال كردستان.

ترتبط غربي كردستان (شمالي سوريا) أو روج آفا(ROJAVA) ارتباطًا وثيقًا بالجزء الشمالي. لقرون كانت تستخدم بشكل أساسي كمنطقة زراعية ومراعي للقبائل الكردية من الشمال. تم بناء آلاف القرى الصغيرة على مدى آلاف السنين بينما لم تتطور المدن فعليًا إلا بعد الاحتلال الفرنسي وتأسيس الدولة السورية.

تم فصل جنوبي كردستان (شمال العراق) عن الأجزاء الأخرى من كردستان على أساس معاهدة الموصل-كركوك الموقعة في 5 حزيران من عام 1926 بين بريطانيا وتركيا، ومنذ ذلك الحين خضعت لاهتمام خاص وسياسات القوى الغربية، ويبلغ عدد سكانها عشرة ملايين وهي ثالث أكبر جزء من كردستان. لقد عايش الكرد في جنوبي كردستان تاريخاً طويلاً من الانتفاضات ضد الاحتلال الأجنبي وكانت انتفاضة بابان عام 1806 بمثابة البداية التاريخية للنضال الكردي الحديث من أجل الاستقلال، لقد بدأت هذه المقاومة ضد القوى العالمية الرأسمالية وشركائها الإقليميين في جنوبي كردستان وما زالت مستمرة حتى اليوم. تتميز المنطقة جغرافياً بمناطق جبلية شاسعة في الشمال والشرق مع مساحات واسعة من الأرض إلى الغرب. وقد جذبت الموارد النفطية الغنية انتباه القوى الدولية لعدة قرون. ومع ذلك، فإن مصادر المياه الوفيرة في المنطقة وتربتها الخصبة تشكل تاريخيًا الأساس الاقتصادي للمنطقة. إن الأرز والحبوب والرمان ليست سوى عدد قليل من المنتجات الزراعية العديدة.

من الناحية الثقافية، تعد جنوبي كردستان موطنًا لسكان الكرد الناطقين باللهجة الكردية الصورانية والكرمانجية، بينما يشكل الإيزيديون في منطقة شنكال/سنجار مجتمعًا مهمًا أيضًا. تشكل المدن الكبيرة مثل هولير (أربيل) وكركوك ودهوك والسليمانية مراكز سكانية رئيسية، مع انتشار القرى في جميع أنحاء الأجزاء الجبلية من جنوب كردستان، وكما هو الحال في الشمال، شهد هذا الجزء من كردستان أيضًا تهجيرًا قسريًا لآلاف القرى من قبل نظام صدام حسين الذي قمع بوحشية أي مطالب كردية للحرية والعدالة خاصة في السبعينيات والثمانينيات. وقد انتفض الشعب الكردي في أذار 1991 و بنى كيانا في جزء من اراضي جنوب كردستان بأسم حكومة اقليم كردستان العراق. فعلى الرغم من الموارد الاقتصادية الكبيرة، ولاسيما النفط الغاز، استمرت المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عميقة.

حتى اليوم. ولقد قدم كرد جنوب كردستان دعمًا قويًا للنضال الكردي من أجل الحرية، سواء عن طريق قوات البشمركة أو گريلا حزب العمال الكردستاني في جبال المنطقة.

روجهلات أو شرقي كردستان (شمال غربي إيران)، باعتبارها ثاني أكبر جزء من كردستان، هي موطن لأكثر من 15 مليون كردي. لم يخض كرد شرق كردستان كفاحًا من أجل حقوقهم فحسب، بل كانوا أيضًا جزءًا نشطًا من النضال من أجل الحرية والديمقراطية في جميع أنحاء إيران، ولا تزال المقاومة الملحمية لـ “قلعة دمدم” تغذي روح الحرية والديمقراطية في إيران. لقد انتفض الكرد ضد القمع الذي ترعاه الدولة ضدهم وقدموا تضحيات كبيرة لتحقيق هذه الغاية.

تشكل “انتفاضة سمكو الشكاكي” وتأسيس جمهورية كردستان في مهاباد عام 1946 سعي روجهلات للحصول على حقوقها في حقبة ما بعد الحرب العالمية.

لعب الكرد دورًا نشطًا في الثورة الإيرانية عام 1979، وقاوموا تحت قيادة أحزاب مثل كومالا وحزب الديمقراطي الكردستاني- ايران HDKI إنكار الجمهورية الإسلامية لحقوق الكرد. وعندما أجبر الإرهاب الذي ترعاه الدولة هذه الأحزاب على العيش في حياة اللاجئين، سيطر التفكك على الجو الاجتماعي والسياسي لروجهلات. لكن مع صعود نضال حزب العمال الكردستاني، وخاصة بعد اختطاف القائد عبد الله أوجلان عبر مؤامرة دولية، وجد شعب روجهلات أملًا جديدًا وعرفوا أنفسهم بنضال حزب العمال الكردستاني. ومنذ عام 1999 استلهم نضال حزب العمال الكردستاني جميع الحركات القومية الديمقراطية الرئيسية. ويمثل هذا حقبة جديدة في نضال روجهلات من أجل الحرية والديمقراطية. ولقد تأسيس حزب الحياة الحرة الكردستاني وكودار آمالا كبيرة لشعب روجهلات والشعوب الأخرى في إيران.

لم تكن سياسة إيران في الترهيب والسجن والتعذيب والإعدام، قادرة على كبح عزم الشعب على الحرية. ويمثل الكرد اليوم قوة رائدة في الاحتجاجات ضد إجراءات الشريعة الإيرانية وقمع الدولة.

أهمية كردستان في القرن الحادي والعشرين

مع أزمة النظام الرأسمالي العالمي، كان الشرق الأوسط مركز الاهتمام لما يقرب من ثلاثة عقود، واليوم تنخرط جميع القوى العالمية فيما نعتبره “حربًا عالمية ثالثة” تهدف إلى تجديد الرأسمالية من خلال تجذيرها بشكل راسخ في الشرق الأوسط، وتجد كردستان نفسها اليوم في قلب هذه الحرب. على مدى مائتي عام، قدم الكرد تضحيات جسيمة ثمن مقاومتهم ضد الرأسمالية والاستعمار. ومنذ أواخر السبعينيات، بذلوا جهودًا كبيرة كشعب في بناء ودعم حركة الحرية الخاصة بهم كحزب العمال الكردستاني.

تلخصت مطالب السيد عبدالله أوجلان وحزب العمال الكردستاني والشعب الكردي ككل بحقهم في تقرير مصيرهم ومستقبلهم بأنفسهم ونتيجة لهذا النضال المستمر منذ عقود، طورت حركة الحرية في كردستان رؤية واضحة لمستقبل الشرق الأوسط من خلال الكونفدرالية الديمقراطية.

مع كون الشرق الأوسط بأكمله ساحة معركة للقوى العالمية والإقليمية، هناك قوة ثالثة تجعل صوتها مسموعاً بشكل متزايد وهي قوة شعوب المنطقة المتنوعة كافة. بينما تشارك القوى العالمية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وروسيا توطيد وإرساء النظام الرأسمالي، تركز القوى الإقليمية مثل تركيا و إيران بشكل أكبر على حماية الوضع الراهن. إن شعوب المنطقة مثل الكرد والعرب والأرمن والفرس والتركمان هم من يقود النضال الديمقراطي. لا أحد يستطيع أن يتنبأ بوضوح كيف ستنتهي أزمة الرأسمالية التي يعد مركزها في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فنحن نعلم يقينًا أن القوة التنظيمية والتكتيكات والاستراتيجيات المناسبة للقوى المختلفة المعنية هي التي ستحدد النتائج. تحمل الكرد بصفتهم أكثر الناس تنظيماً في المنطقة مسؤولية الانخراط في هذا النضال من أجل الديمقراطية وذلك بدعم من عدد متزايد باستمرار من العرب والأرمن والآشوريين والأتراك والشعوب من جميع أنحاء العالم، لذلك سيكون لنجاح أو هزيمة نضالهم تأثير حاسم على ما إذا كانت الرأسمالية ستكون قادرة على ترسيخ نفسها بالكامل في الشرق الأوسط وبالتالي تحقيق مكاسب طاقة جديدة. وإذا ساد النضال من أجل الديمقراطية والحرية في كردستان والشرق الأوسط، فإن القوى والشعوب الديمقراطية في العالم ستكون قادرة على أخذ نفس عميق ووضع الرأسمالية والدول والنظام الأبوي في مزبلة التاريخ. هذا هو السبب في أن ما يحدث في كردستان اليوم له أهمية كبيرة بالنسبة لمستقبل العالم ككل.

مع وضع هذه الحقيقة في الاعتبار، نعمل كل يوم لتعزيز نضالنا من أجل الكونفدرالية الديمقراطية في كردستان والشرق الأوسط وما حولهما. ونعتقد أن دعم كفاحنا أمر حيوي لبناء مستقبل للبشرية يستحق العيش ونجاحنا في تحقيق الحرية والديمقراطية في كردستان والشرق الأوسط، ولهذا لدينا تأثيرات بعيدة المدى في جميع أنحاء العالم.