عبدالله أوجلان: قائد نضال الحرية لشعب الكردستاني

يمكن للشعب الكردي أن ينظر إليه بأنه ذو تاريخ طويل من المقاومة. منذ التدخل المتزايد للرأسمالية في الشرق الأوسط في أوائل القرن التاسع عشر، كان يكافح من أجل حماية هويته الثقافية وتطوير وحدته السياسية. عشرات الانتفاضات منذ عام 1806 دليل واضح على إصرار الكرد على حقه في حكم ذاته. رغم كل الجهود والتضحيات، لم تؤدِ الانتفاضات الكردية إلى النتائج المرجوة، بل تم سحقها من قِبل قوى عالمية وإقليمية مثل إنجلترا وإيران وتركيا. حتى اليوم، يتذكر الكرد قادة مثل الشيخ عبيدالله، وسيد رضا وسمكو الشكاكي، ويواصلون سعيهم إلى إقامة كردستان موحدة ومستقلة وديمقراطية. وفي سبعينيات القرن الماضي، بدأت المرحلة جديدة من النضال الكردي من أجل الحرية ومستمرة حتى اليوم؛ مقاومة حزب العمال الكردستاني. منذ ذلك الحين ، تم قبول عبدالله أوجلان ، مؤسس حزب العمال الكردستاني، على نطاق واسع من قبل المجتمع الكردي كقائد سياسي ومرجع فلسفي.

نشأ في دولة استعمارية

بعد نشأته في قرية عمرلي الصغيرة في محافظة روها (أورفة) الكردية على الحدود التركية السورية، أصبح عبدالله أوجلان فيما بعد سياسيًا ذا شهرة عالمية يكافح من أجل تحقيق كيان سياسي للشعب الكردي. بعد ولادته في 4 أبريل 1949، أمضى طفولته في مجتمع كردي تقليدي في ريف روها. أثرت حياة القرية الزراعية وتناقضات الأسرة الكردية التقليدية وتعاليم إمام المسجد بشدة على السنوات الأولى من حياته. عندما بدأ دراسته الابتدائية في قرية مجاورة نشأ تناقض جديد سيتبعه طوال حياته: كونه كرديًا تحت سلطة الدولة القومية التركية. سواء في مدرسة صغيرة في ريف شمال كردستان، او في معهد العلوم السياسية في جامعة أنقرة أو كموظف حكومي في مدينة آمد الكردية – أصبح عبدالله أوجلان على وعي متزايد بالمصاعب التي تفرضها سياسة الدولة التركية على مواطنيها الكرد. على عكس كثيرين آخرين، لم يختار الاندماج في نظام الدولة الاستعمارية هذا، لكنه بدأ في كسب طلاب آخرين في أنقرة للنضال من أجل الحرية في كردستان في فترة الاضطرابات السياسية في أوائل السبعينيات.

قيادة حركة الحرية

مع التأسيس الرسمي لحزب العمال الكردستاني في 27 نوفمبر 1978، تحول ما بدأ كمجموعة صغيرة من الطلاب في أنقرة إلى نضال ثوري محترف. لعب عبدالله أوجلان دورًا حاسمًا في تنظيم أعضائه الأوائل وفي بناء الأساس الأيديولوجي والسياسي والعسكري لتطور مستمر. بعد أن أُجبر على مغادرة تركيا عام 1979 بسبب قمع الدولة المتزايد، واصل نشاطه السياسي أولاً في لبنان ثم في سوريا لاحقًا. ومن هناك قدم التدريب الأيديولوجي والسياسي لأعضاء حزب العمال الكردستاني المنضمين حديثًا من جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه، وأقام علاقات دبلوماسية مع مجاميع متنوعة من ممثلي الدولة والمدنيين ورحب بالصحفيين والأكاديميين والفنانين من جميع أنحاء العالم. بعد بدء الكفاح المسلح في أواخر عام 1984، اتخذ أوجلان مبادرات متكررة من أجل إيجاد حل سلمي مع الدولة التركية. ومع ذلك، فإن العديد من مبادرات وقف إطلاق النار الأحادية الجانب التي أعلنها منذ عام 1993 لم تسفر عن النتائج المرجوة. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بدأ عبدالله أوجلان في تكثيف بحثه عن اشتراكية جديدة تتعلم من أخطاء الماضي السوفييتي وتمهد الطريق للنضال من أجل الحرية في القرن الحادي والعشرين.

نموذج اشتراكي جديد من السجن

أجبر أوجلان على مغادرة سوريا في 9 أكتوبر 1998 بسبب ضغوط تركيا. ما سيصبح لاحقًا عملية شاملة للناتو أفضت في النهاية بأعتقال عبدالله أوجلان في 15 فبراير 1999 ونقله إلى سجن جزيرة إمرالي التركية. لقد تم احتجازه هناك في حبس الانفرادي حتى اليوم. ومع ذلك، حوّل أوجلان مصاعب الحبس الانفرادي إلى فرصة لمواصلة بحثه عن اشتراكية جديدة تقدم إجابات للقضايا التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين. بناءً على تجربته الشخصية وكتابات الفلاسفة الغربيين والمفكرين السياسيين وأبحاثه حول تاريخ الشرق الأوسط، طوّر أفكارًا جديدة أدت إلى مشروع سياسي فريد: الكونفدرالية الديمقراطية. منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كتب عبدالله أوجلان العديد من الكتب التي تشرح افكاره عن نظام إدارة ذاتية تضمن حرية الفرد والمجتمع ككل. تشكل الركائز الثلاث المجتمع الديمقراطي وتحرير المرأة والبيئة أساس مخططه النظري واقتراحاته العملية. من زنزانته في السجن في جزيرة إمرالي المنعزلة، شارك أفكاره مع مفكرين سياسيين مثل إيمانويل والرشتاين، وقاد مفاوضات السلام مع مسؤولي الدولة التركية وألهم مبادرات سياسية جديدة مثل تأسيس حزب الشعوب الديمقراطي في تركيا. على الرغم من العزلة الصارمة التي فرضتها السلطات التركية منذ أبريل 2015، استخدم عبدالله أوجلان الاجتماعات القليلة مع محاميه وأفراد أسرته للدعوة مرارًا وتكرارًا من أجل السلام في تركيا وسوريا والشرق الأوسط بأكمله.

بعد أكثر من 50 عامًا من النضال و 23 عامًا في السجن، يعد عبدالله أوجلان اليوم واحدًا من أكثر المنظرين والقادة السياسيين تأثيرًا في جميع أنحاء العالم. وبدعم من الشعب الكردي والعدد المتزايد باستمرار من المؤيدين على مستوى المنطقة و العالم، يستمر في تمهيد الطريق لوضع سياسي يستحقه الشعب الكردي، وبالتالي توفير بديل لأزمة النظام الرأسمالي العالمي.